الأخبار

- خطبة الجمعة

   22 محرم 1439 هـ الموافق 13/10/2017 م   

  نص الخطبة الاولى  

 

  نص الخطبة الثانية  

 

دعت المرجعية الدينية العليا الى السماع للنصيحة والاتعاظ من الأمم السالفة مبينةً ان الله عز وجل أرسل الرسل لتقديم الحجج على الاقوام بعبارات لا تصب بمصلحتهم الشخصية وكانوا يريدون الاصلاح لأممهم، ولكن لماذا هؤلاء لا يستجيبون للحق؟
جاء ذلك خلال الخطبة الثانية لصلاة الجمعة المباركة (22 محرم 1439هـ) الموافق (13تشرين الأول 2017م) والتي أُقيمت في الصحن الحسينيّ الشريف، وكانت بإمامة سماحة السيد أحمد الصافي (دام عزّه) مما جاء فيها : 
اخوتي واخواتي 
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم في سورة الفرقان الآية السابعة والثلاثين وما بعدها بسم الله الرحمن الرحيم (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ۖ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ۖ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) الى آخر المقطع ...
هذه الآيات الشريفة تتحدث عن موضوع هو في غاية الاهمية، فالانبياء (عليهم السلام) مع كونهم مبعوثين من قبل الله تعالى الى اممهم يمثلون أمراً خاصاً وهو الحق، فلا يوجد نبي من الانبياء لا يدعو الى غير الحق، وهناك نكتة مهمة هي ان الانبياء عادة ما يتمتعون بقدرة بيانية خاصة، تكون بها العبارات التي تصدر عنهم مفهومة وواضحة بلسان قومهم، فيحتج النبي المصلح الحكيم المربي على هؤلاء، وتكون عباراته دائما عبارات لا تصبُّ في مصلحته الشخصية، بل بالعكس، فبعض الانبياء يوجد في عائلته من لم يستجب له، وهذا خلاف مصلحته الشخصية، ولكن مع ذلك الحق بما هو حق لا بد ان يُسْحَر به، ولا بد ان يُبيَّن.
وكان الانبياء (عليهم السلام) يريدون الاصلاح لأممهم وهم بالنتيجة مصلحون، ونحن نقرأ في زيارة الحسين: السلام عليك يا وارث ادم يا وارث نوح يا وارث ابراهيم وموسى وعيسى ومحمد وامير المؤمنين، ويقول (عليه السلام): (خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي) فبما أنه وارث الأنبياء وقد خرج لطلب الإصلاح، فإن الأنبياء (عليهم السلام) مصلحون (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ، فالأنبياء (عليهم السلام) كنوح وصالح وشعيب يملكون الحق بما هو حق، لكنَّ أممهم كانت لا تستجيب اليهم، فعندما يأتي مصلح معين سواء أكان نبياً أم عالما حكيما ويبيِّن لمجموعة من الناس الحقَّ ويدعوهم إليه، فمن المفترض أن هؤلاء الناس يستجيبون إليه وهذا هو مقتضى الحال، لكن عدم استجابتهم هو من يستدعي الالتفات والتساؤل، فلماذا لم يستجيبوا الى دعوته؟
دعونا نبحث عن المشكلة، فعندما ندقق في المسألة نرى ان هؤلاء يجمعهم شيء واحد وهو ان الاستجابة لهذا المصلح تضر بمصالحهم، فهُم تارة يتهمونه بأنه ساحر، وتارة يتهمونه بأنه يأتيهم بأساطير الاولين، وتارة يتهمونه بأنه لا يعلم ولا يعرف ما يعلمون ويعرفون، وتارة يتهمونه بالجنون، كل هذه الاتهامات سببها أنهم لو لم يقوموا بها تصديا له ستحدث لهم مشاكل جمة، وسيتكلّم أحدهم معذِّلا الآخر عن عدم الاستجابة لذلك النبي أو الحكيم، فلجؤوا الى ان يجعلوا امام سواد الناس وقاءً غاشياً عن الحق بما هو حق، فاما ان يُتَّهم او يُغشى الناس لكي لا يستمعوا اليه.
لاحظوا بلاغة القرآن في وصف محاججة نبي الله نوح لقومه في قول الله سبحانه وتعالى: (لَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) وفي الحقيقة هذا رقم مهول، فلقد كان (عليه السلام) كل هذه السنين يوجههم ويرشدهم وينبههم ويهديهم الى الحق، فما كان منهم إلا أن يجعلوا اصابعهم في آذانهم ، حتى لا يسمعوا ما يقول، ونوح مع ذلك لم ينفك من ارشادهم الى ان استحكم عليهم العذاب والعياذ بالله.
أراد الباري عز وجل التنبيه -في القرآن الكريم- على نتيجة عدم اصغائهم الى الحق، ومحاولتهم ان ينكروا على النبي طوال هذه السنين دعوته، فهم بذلك ألغوا ما لعقولهم من دور مرجو، ولم يجعلوها تقوم بعملها من تأمل وغيره، بل استمعوا الى كلام الاقوياء منهم، ومن أخطر الأمور أن يكون هناك اتباع لأناس هم في حقيقتهم أراذل القوم لا يمكن لهم أن يكونوا الا أذلاء، اتباع أعمى جعل منهم أذناب أسيادهم يفعلون ما يأمرونهم به بمجرد أن يطلبوا منهم، كأن يقولوا لهم: آمنوا.. اكفروا.. اتركوا.. اقتلوا، فيؤمنون ويكفرون ويتركون ويقتلون، والعجيب في الأمر أنهم أحرار، ولكن عندما خضعوا وخنعوا أصبحوا أذناباً لهم، فهناك فرق بين من يكون ذَنَبا لأسد وبين من يكون ذنبا لحيوان تافه.
فقوم نوح (عليه السلام) كانوا يقولون اليه ساخرين مستهزئين: إن من اتبعك هم أراذلنا، فهناك جو عام خاص بهم.
يعطي القرآن الكريم النتائج للانسان بلا استعجال، فعندما ينكفئ عن الحق ينبهه، ومن تنبيهاته أن قوم نوح عندما كذبوا الرسل أغرقهم الله تعالى، وجعلهم للناس آية وقليل من الناس من يعتبر في الآيات، وكذلك فرعون عندما أنجاه ببدنه (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) فيقول الله تعالى في كتابه (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً) لكي يلتفتوا الى أنفسهم وينتبهوا، لكن لم يكن منهم ذلك، فلم يكن أقوام مثل قوم نوح ليلتفتوا الى دعوة نبيهم، وتاريخ الانبياء والمصلحين شاهد على ذلك.
فخلاصة القول ان الانسان لا بد ان يرجع الى عقله ولا بد ان يرجع الى ضميره وعندما يسمع كلاما معينا لابد ان يراجع هذا الكلام، ولا بد ان يفهمه، خصوصا إذا أتى هذا الكلام من مصلح لا يريد مصلحة نفسة، وانما يريد مصلحتنا، ولا بد ان نتأمل في الكلام ولا بد ان نسمع الحق، فالانسان اذا لم يسمع الحق يفوته، ثم أن هذا الفوت قد يؤدي الى ما لا يحمد عقباه، فالعقل نعمة لابد ان نستثمرها وفق ما فيه مصلحتنا، فلا بد ان نفهم هذا الكلام عندما يأتي من مصلح أو من امام أو من نبي أو من حكيم وما هو اثره علينا، والا ما استفاد قوم نوح وقوم صالح من معاندتهم الانبياء؟
نسال الله سبحانه وتعالى ان يسترنا بستره وان يحفظنا جميعا ويحفظ بلدنا من كل سوء ويقيه وبلاد المسلمين من كل سوء، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وتفضل علينا برحمتك كما هي عادتك وسلم هذا البلد واهله من كل سوء، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصل الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وحدة المفقودات

كلمة الموقع

 

3:45